ثماني جولات فقط من انطلاق بطولة دوري روشن السعودي للمحترفين لكرة القدم موسم 2025-2026، كانت كافية ليقتحم التعاون المشهد بقوة ويصبح رقماً صعباً في سباق القمة، بعدما جمع 21 نقطة وضعته وصيفاً خلف النصر المتصدر بـ24 نقطة.
ما يجعل قصة «سكري القصيم» مختلفة، ليس ترتيبه فقط، بل الطريقة المذهلة التي عاد بها بعد الخسارة الافتتاحية الثقيلة.
التعاون تعرض لسقوط مؤلم بنتيجة 0-5 أمام النصر في مباراة الجولة الأولى من دوري روشن، ولكنه انتفض ليحقق سلسلة انتصارات هي الأقوى في البطولة هذا الموسم، وهكذا كتب «سكري القصيم»أحد أعجب البدايات في تاريخه.
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تحول الخسارة الافتتاحية القاسية إلى محرك لثورة أداء، لكن التعاون فعلها، ومر على خصومه تباعاً بنتائج متنوعة تعكس شخصية فريق يعرف ما يريد، حيث حقق الفوز على:
الأخدود 3-2 الاتفاق 4-1 الخليج 1-0 ضمك 6-1 الفيحاء 2-1 القادسية 2-0 الفتح 5-2
وكانت كل مباراة يحقق فيها التعاون الفوز بمثابة رسالة بأن «سكري القصيم لا يموت، بل يولد من جديد».
ورغم خروجه من دور الـ16 ببطولة كأس خادم الحرمين الشريفين أمام الخليج بركلات الترجيح، ظل التعاون ثابتاً، مؤكداً أن الفريق القوي لا ينتهي موسمه بهزيمة واحدة أو أثنين، بل بالقدرة على تجاوزها.
من أحد أبرز أسباب تألق التعاون هذا الموسم 2025-2026، هو المدرب البرازيلي بريكليس شاموسكا، الذي يظهر اليوم في أفضل نسخه.
شاموسكا مدرب يعرف تفاصيل كرة القدم السعودية كما يعرف خطوط يديه، فهو يمتلك خبرات متراكمة في ملاعب المملكة جعلت التعاون يتحرك بثقة تحت قيادته.
المدرب البرازيلي البالغ من العمر 60 عاماً سبق له تدريب الفيصلي (ولايتين مختلفتين)، الهلال، الشباب، نيوم، وأخيراً عاد إلى التعاون في ولاية ثانية ليكمل ما بدأه في الأولى التي كانت ما بين عامي (2022-2024).
شاموسكا سبق له التتويج مع نادي الفيصلي بكأس خادم الحرمين الشريفين موسم 2020-2021 في إنجاز تاريخي، قبل أن ينجح في قيادة نادي نيوم للتتويج بدوري الدرجة الأولى «دوري يلو» والصعود لأول مرة في تاريخه إلى دوري المحترفين «دوري روشن».
أرقام بريكليس شاموسكا في الدوري السعودي للمحترفين مع مختلف الأندية:
183 مباراة 88 فوزاً 47 تعادلاً 48 خسارة
رداً على تألقه مع التعاون هذا الموسم 2025-2026، قال شاموسكا: «الاستقرار، العمل الجماعي، والانضباط… عوامل صنعت الفارق».
وأوضح: «التعاون امتلك 3 أسباب رئيسية أسهمت في نجاحه؛ أولها العمل الجاد والاستقرار على اللاعبين الأجانب بنسبة كبيرة منذ الموسم الماضي، وثانيها التوافق الكبير بين الإدارة والجهاز الفني واللاعبين وخلق جو عائلي داخل النادي، وثالثها الانضباط العالي من الجميع والرغبة المشتركة في الظهور بأفضل صورة ممكنة».
ووسط التوقعات التي انحازت للأربعة الكبار (الهلال – النصر – الأهلي – الاتحاد)، ومع دخول فرق صاعدة بقوة مثل نيوم، لم يضع كثيرون التعاون ضمن دائرة المنافسة هذا الموسم 2025-2026. لكن «سكري القصيم» استغل «الظل» لصالحه، وظهر بثبات وقوة، معتمدًا على «منظومة لعب واضحة – هجوم سريع ومتنوّع – وسط منسجم وروح جماعية عالية».
وما بين نهاية الموسم الماضي 2024-2025 عندما احتل التعاون المركز الثامن، وبداية الموسم الحالي 2025-2026، تبدو الفوارق واضحة: «سكري القصيم بتفكير جديد وشخصية مختلفة».
يمتلك التعاون خط هجوم هو الأكثر تنوعاً على مستوى بطولة دوري روشن هذا الموسم، فالفريق احتل المركز الثاني ضمن قائمة الأقوى هجومياً برصيد 23 هدفاً، ولكن ليس الإبهار في هذا الرقم، بل في قيام لاعبين مختلفين بالتناوب على تسجيل هذه الأهداف.
وسجل التعاون أهدافه عبر 10 لاعبين، يتصدرهم الكولومبي روجر مارتينيز برصيد 6 أهداف، يأتي خلفه وليد الأحمد وموسى بارو برصيد 3 أهداف لكل منهما، بجانب 3 لاعبين آخرين أحرز كل منهما هدفين، و4 آخرين سجل كل منهما هدف وحيد. وهذا التنوع لا يُصنع صدفة، بل من منظومة هجومية متكاملة.
وعلى متسوى صناعة اللعب هناك 7 لاعبين مختلفين بصموا على التمريرات الحاسمة، يتصدرهم الفرنسي أنجيلو فولغيني برصيد 5 تمريرات، يأتي خلفه المصاب موسى بارو برصيد 3 تمريرات.
وعلى مستوى الدفاع قد يكون التعاون يعاني نوعاً ما، فقد استقبلت شباكه 12 هدفاً خلال 8 مباريات، ولكن حارس مرماه البرازيلي مايلسون يقدم أداء أكثر من رائع.
مايلسون تصدى لـ17 هدفاً محققاً، بذلك تفوق البرازيلي على حراس مرمى عمالقة من أندية كبرى، مثل المغربي ياسين بونو من الهلال (16 تصدي)، والسنغالي إدوارد ميندي من الأهلي (14 تصدي)، السعودي نواف العقيدي من النصر (11 تصدي) والصربي بريدراغ رايكوفيتش من الاتحاد (11 تصدي).
ولم يحتاج التعاون إلى قيمة سوقية هائلة كي يفرض نفسه على المشهد؛ فالفريق الذي يحتل المركز الثامن في جدول القيم المالية للأندية بـ35.58 مليون يورو فقط— أقل من نصف قيمة نادي نيوم البالغة 78.90 مليون يورو—، بحسب موقع Transfer Markt، يقدم نموذجًا حيًا لكيف تكسب كرة القدم بالعقل والتنظيم قبل الإمكانات المادية.
ورغم أن الهلال يتربع على صدارة القائمة بقيمة 215.45 مليون يورو، فإن التعاون ينجح في تقليص الفوارق داخل الملعب بفضل منظومة تلعب بروح واحدة، وتكتيك يمنح كل لاعب دورًا محددًا داخل منظومة تحترم تفاصيل اللعبة.
ميزة التعاون الأبرز هذا الموسم هي أنه ليس فريقًا يعتمد على أقدام الأجانب وحدهم؛ فخلف الأداء اللافت يقف عدد من اللاعبين المحليين الذين يضيفون حيوية وثباتًا في مختلف المراكز. ويبرز في مقدمتهم: «محمد الكويكبي، وليد عبدالوهاب وسلطان مندش».
إلى جانب ذلك، حافظ التعاون على قوته الهجومية الضاربة، ممثلة في الجامبي موسى بارو، الذي تحوّل خلال الموسمين الأخيرين إلى كابوس مزعج للمدافعين بمعدل تهديفي ثابت وحضور ذهني مميز.
وشكل بارو – قبل الإصابة – هذا الموسم ثنائيات هجومية خطيرة مع روجر مارتينيز ورومان فايفر، ليمنحوا التعاون تنوعًا تكتيكيًا يربك الخصوم ويخلق حلولًا متعددة أمام المرمى.
التعاون هذا الموسم 2025-2026 غير مطالب بأكثر من إنجاز العودة إلى الساحة القارية، وهو حلم يبدو أقرب إلى الواقع مما هو إلى الخيال، فهو غير مطالب بحصد اللقب، الأمر الذي يصب في صالحه حيث لا يثقل كاهل لاعبيه ومدربه بالضغوط، ولكن إن واصل التألق وحقق المفاجأة بالتتويج بلقب دوري المحترفين سيكون إنجاز تاريخي.
التعاون سبق أن حقق إنجاز المشاركة القارية عندما أنهى موسم 2023-2024 في المركز الرابع، متفوقًا على الاتحاد والشباب والاتفاق، ومتأخرًا فقط عن الهلال البطل والنصر والأهلي.
ومع الأداء الحالي، والانضباط التكتيكي، والمجموعة المتجانسة التي يمتلكها، يملك التعاون فرصة حقيقية لتكرار هذا السيناريو، وربما الذهاب إلى أبعد مما يتوقعه الكثيرون، بالمنافسة على لقب دوري المحترفين حتى الجولات الأخيرة من الموسم، ولما لا التتويج باللقب.





